السيد كمال الحيدري

64

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

بالاسم اللفظي ، لأنَّ الذي يُعطي أو يمنع هو الاسم الخارجي ، ونظير هذا ما نُشاهده في العطشان ، فإنه لا يرتفع عطشه ولو كرّر قوله : ( شربت الماء ) ألف مرّة ، كما لا يتحقّق ذلك بالوجود الذهني للماء أيضاً ، حتى وإن تصوَّرَه بجميع خواصّه « 1 » ، وإنما يتحقّق الرواء ورفع العطش بشرب الماء الخارجي لا غير . من هنا : ( يظهر أنَّ جهات الخلقة وخصوصيات الوجود التي في الأشياء ترتبط إلى ذاته المتعالية من طريق صفاته الكريمة ، أي : أن الصفات وسائط بين الذات وبين مصنوعاته ، فالعلم والقدرة والرزق والنعمة التي عندنا بالترتيب تفيض عنه سبحانه بما أنه عالم قادر رازق منعم بالترتيب ، وجهلنا يرتفع بعلمه ، وعجزنا بقدرته ، وذلّتنا بعزّته ، وفقرنا بغناه ، وذنوبنا بعفوه ومغفرته ، وإن شئت فقل بنظر آخر : هو يقهرنا بقهره ويحدّنا بلا محدوديته ، وينهينا بلا نهايته ، ويضعنا برفعته ، ويذلّلنا بعزته ، ويحكم فينا بما يشاء بمُلكه - بالضمّ - ويتصرّف فينا كيف يشاء بمِلكه - بالكسر - فافهم ذلك ) « 2 » . خامساً : إذا أردنا أن نستفيد من عدم تناهي الأسماء والتراتبية الموجودة بينها وتنوّع الآثار نتمكَّن من رسم هذه الصورة وهي : أنَّ التكامل وإن ارتبط في مقطع باسم يكون مصدراً له إلا أنه يقبل الانتقال إلى اسم آخر ؛ بمعنى أنه قابل للاشتداد والارتباط في مقطع لاحق باسم أكثر كلّية وهكذا ، من دون أن

--> ( 1 ) ولو كان الأمر يُقضى بمجرّد تصوّره ، لما بقي معنى لطلب الرزق المادّي مُطلقاً ، ولما بقي فقير البتّة ، فذلك يُوفّر الغنى في هذا المورد ، ومن هنا تفهم عظمة النعيم الأُخروي الذي يتحقّق المطلوب فيه بمجرّد إرادته ، حيث يُكتفى فيه بالفاعل ، ويُستغنى عن القابل ، وهذا الضرب من التحقّق أشبه ما يُسمَّى بالمُعجزة في الحياة الدنيا ، علماً بأنَّ تجلّي الاسم الأعظم - وربما ما هو دون ذلك أيضاً - يتمتَّع بهذه الموهبة الغنية عن القابل أينما كان ، ولكنه عادة يُراعي في ذلك المصالح العليا ، بصفته الواسطة في الفيض والمسؤول الأول عن تحقّق النظام العامّ . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 8 ، ص 353 . .